الشيخ السبحاني

68

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الإسلامية الغراء

الحقّ إلى أن قال : وإن كان مانعاً إمّا بأن يَجحد ظاهراً وباطناً ، أو يعترف باطناً ويجحده ظاهراً ، أو يعترف به ظاهراً وباطناً ويمنعه لقوّته ، فإنّه لا يمكن استيفاء الحقّ منه ، فإذا كان بهذه الصفة ، كان له أن يأخذ من ماله بقدر حقّه من غير زيادة سواء كان من جنس ماله أو من غير جنسه إلى أن قال : وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة : ليس له ذلك إلّا في الدراهم والدنانير « 1 » التي هي الأثمان وأمّا غيرهما فلا يجوز قال : دليلنا : إجماع الفرقة وأخبارهم وأيضاً روي أنّ هنداً امرأة أبي سفيان جاءت إلى النبيّ فقالت يا رسول اللّه ! إنّ أبا سفيان رجل شحيح وأنّه لا يُعطيني ما يكفيني وولدي إلّا ما آخذ منه سرّاً فقال : « خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف » والنبي أمرها بالأخذ عند امتناع أبي سفيان منه والظاهر أنّها كانت تأخذ من غير جنس حقّها فإنّ أبا سفيان ما كان يمنعها الخبز والإدام وإنّما كان يمنعها الكسوة فالظاهر أنّ الأخذ من غير جنس الحقّ . « 2 » وظاهره جواز الأخذ في الصورتين من غير فرق بين كونه ذا بيّنة وعدمه ، أمكن الوصول إلى الحاكم واستيفاء الحقّ بحكمه أو لا ولكن الظاهر من المبسوط هو الجواز فيما إذا لم تكن له الحجّة أو كان ولكن لا يقدر على إثباته عند الحاكم ، وعدم الجواز في غير هاتين الصورتين . قال : هذا ( أي جواز الأخذ مطلقاً من جنس الحقّ وغيره ) إذا كان من عليه الحقّ مانعاً ولا حجّة لمن له الحقّ ، فأمّا إن كان له بحقّه حجّة وهي البيّنة عليه ، ولا يقدر على إثبات ذلك عند الحاكم والاستيفاء منه فهل له أخذه بنفسه أم لا قال قوم ليس له لأنّها جهة تملك استيفاء حقّه بها منه فلم يكن له الأخذ بنفسه بغير رضاه ، كما لو كان باذلًا ، وقال آخرون له ذلك لأنّ عليه مشقّة في إثباته عند الحاكم ومغرمة في استيفائه فكان له الأخذ وهو الّذي يقتضيه عموم أخبار في

--> ( 1 ) لعلّ مراده تخصيص الاقتصاص بما إذا كان ما في يده مماثلًا لما في ذمّة المدين . ( 2 ) الطوسي ، الخلاف : 3 ، كتاب الدعاوي والبيّنات ، المسألة 28 .